الشيخ محمد النهاوندي
519
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
في تفسير سورة الشرح بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة الشرح ( 94 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ( 1 ) ثمّ لمّا ختمت سورة وَالضُّحى المتضمّنة لبيان منّته تعالى على الرسول صلّى اللّه عليه وآله ، نظمت سورة الانشراح المتضمّنة أيضا لبيان بعض منّته الأخرى ، فافتتحها بذكر الأسماء الحسنى بقوله : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . ثمّ شرع سبحانه في تعديد بعض نعمه على رسوله صلّى اللّه عليه وآله بقوله : أَ لَمْ نَشْرَحْ ولم نوسّع لَكَ يا محمد صَدْرَكَ ولم نفسح قلبك للعلم والحكمة وتلقّي الوحي ؟ بلى وسّعناه بحيث صار خزانة علمي ، ومحيطا بعوالم الملك والملكوت ، ومطّلعا على أسرار السماوات والأرض . روي أن جبرئيل أتاه وشقّ صدره ، وأخرج قلبه وغسله وأنقاه ، ثمّ ملأه علما وإيمانا ووضعه في صدره « 1 » . أقول : لعلّ غسل قلبه وإنقاءه كناية عن تقويته لتحمّل ما فوق طاقة البشر من العلوم والأسرار والمعارف ، وتطهيره عن الميل إلى غير اللّه ، والتوجه إلى الراحة واللذائذ الدنيوية وقبول الأهواء الرائعة النفسانية . وقد أشار سبحانه إلى مرتبة منه بقوله : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً « 2 » . وقد سبق في تفسير الآية وأنّه عن النبي صلّى اللّه عليه وآله ، أنّه قيل له : أينشرح الصدر ؟ قال : « نعم » قالوا : يا رسول اللّه ، وهل لذلك علامة يعرف بها ؟ قال : « نعم ، التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والإعداد للموت قبل نزوله » « 3 » . أقول : فمن كان قلبه متوجّها إلى اللّه معرضا عن غيره لعلمه بحقارة الممكنات وعظمة خالقها ، صار منزّها عن كلّ دنس مطهّرا عن كلّ رجس ، منوّرا بأنوار المعارف ، ومملوءا بالعلم والحكمة .
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 32 : 2 . ( 2 ) . الأنعام : 6 / 125 . ( 3 ) . تفسير الرازي 32 : 3 .